أبي حيان التوحيدي
175
المقابسات
قلت له : أكره أن أرتجل الجواب عنها ، لعلى أدفع فيه إلى الاعتذار منه ، وأنا أسأل شيخنا أبا سعيد السيرافى غدا إن شاء اللّه ، وهو اليوم عالم العالم ، وشيخ الدنيا ، ومقنع أهل الأرض فقال : إنه كذلك ، اجعله منك على بال ، وتلطف في تحصيل ما عنده أجمع في هذه المسألة فسألت أبا سعيد عنها فقال : هذا من قبيل الأسماء المحضة ، لا من قبيل الأسماء المشوبة ، فلا يقال لذلك إنه فعيل بمعنى فاعل ، كقدير بمعنى قادر ، ولا يقال إنه فعيل بمعنى مفعول ، كذبيح [ بمعنى مذبوح ] ولكن يقال هو فعل في أصله كجبير وأثير ، ومع هذا فمعنى الفعل به أقرب من معنى الفعل منه ، ولفعيل أسرار ووجوه ، وقد كان بعض الناس زل فيه عند بعض الامراء ، وإذا لم يكن بد من اعتباره على طريقة هذا السائل ، فلأن يكون بمعنى مفعول أولى ، وذلك أنا نقول : طباعه كذا وكذا ، وطبيعته ، أي ما طبع عليه ، وبمعنى فعل ، والمفعول فيه أبين ، وأخواته يدللن على ذلك ، أعنى الضريبة ، والسليقة ، والسجية ، والغريزة ، والنحيزة قال : وهذا كلام كاف في الحرف فاستزدته فاندفع فأتى بأشياء لك نشرها هاهنا كالحواجب ، وإن لم تكن محتاجا إليها من كل وجه ، ولكن الكلام له صورة لا تملك ، وغاية لا تدرك ، وإذا أعادها زدته بفائدة لعلها تشاكل نفس ما نحن فيه ، وتسهل له ، وتحدث عنه ، فقد برئنا من العنف واللوم والافراط في التوبيخ ، إن شاء اللّه تعالى قال : واعلم أن للأفعال مراتب مختلفة ، ومواضع متباينة ، فالظاهر منها مرتبة ضرب ، وما ماثله فإنه نافر ، أي مبعد ، ولست أعنى بما ماثله ما كان ملاشيا ، بل ما زاد عليه أيضا ، ولكن بعد أن يكون له أثر منفصل من فاعله ، ثم ما عدا هذا أيضا مراتب أعلى ما يلزم كقولك خلا ، وعدا ، وكرم ، وظرف ، وعلم ، وسلم ، وثبت ، ورتب ،